-

كتابنا

تاريخ النشر - 03-11-2026 07:07 PM     عدد المشاهدات 235    | عدد التعليقات 0

الدكتور باسم فانوس يكتب: خطاب العرش .. الملك يحدد الطريق، فمن يحاسب المقصرين؟

الهاشمية نيوز - بقلم: الدكتور باسم فانوس
لم أقرأ خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني باعتباره مجرد خطاب دستوري لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل قرأته بوصفه رسالة سياسية وإدارية واضحة، تحمل في مضمونها قدرًا من المصارحة يفوق ما اعتدنا سماعه في مثل هذه المناسبات.
وأعتقد أن من الخطأ أن نتعامل مع الخطاب باعتباره مناسبة لتبادل الإشادات، أو أن نكتفي باقتباس عباراته ونشرها، ثم نعود في اليوم التالي إلى أساليب العمل ذاتها، وكأن شيئًا لم يكن.
فالسؤال الحقيقي ليس ماذا قال الملك، بل لماذا وجد جلالته ضرورة للتأكيد على هذه القضايا في هذا التوقيت تحديدًا؟
عندما يكرر الملك الحديث عن سيادة القانون، وعن مصلحة المواطن، وعن ضرورة الإنجاز، فإن علينا أن نتساءل: هل وصلت هذه المبادئ فعلًا إلى المستوى الذي يريده جلالته؟
في تقديري، إن تكرار هذه الرسائل لا ينبغي أن يمر دون مراجعة جادة من المؤسسات المعنية. فالدولة التي تمتلك رؤية واضحة وتوجيهات مستمرة من رأس هرمها، يفترض أن تكون قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى نتائج يلمسها المواطن.
ومع ذلك، ما زلنا نشاهد فجوة بين التوجيه والتنفيذ، وبين الخطط المعلنة والواقع، وبين ما يُقال في المؤتمرات وما يتحقق في الميدان.
وهنا تكمن المشكلة التي أعتقد أن الخطاب يدعونا إلى مواجهتها.
المسؤولية ليست منصبًا... والإنجاز ليس بيانًا صحفيًا
لدينا في الأردن كفاءات وطنية كبيرة، ومؤسسات تمتلك إمكانات وخبرات تستحق التقدير، لكننا نعاني في بعض المواقع من ثقافة إدارية تجعل المحافظة على المنصب أهم من تحمل مسؤولية القرار.
نرى أحيانًا مسؤولًا يتردد في اتخاذ قرار خشية المساءلة، وآخر يتقن تبرير التأخير، وثالثًا يقيس نجاحه بعدد الاجتماعات والتصريحات.
وفي المقابل، ينتظر المواطن نتائج حقيقية.
إنني أقرأ في خطاب الملك دعوة إلى الانتقال من إدارة المؤسسات بمنطق الإجراءات إلى إدارتها بمنطق النتائج.
فليس المطلوب أن يخبرنا المسؤول بما ينوي فعله، وإنما أن يوضح ماذا أنجز، وكم استغرق، وما كلفته، وما أثره على حياة الناس.
والأهم من ذلك: من يتحمل المسؤولية عندما لا تتحقق النتائج؟
البرلمان... هل نحن أمام رقابة حقيقية أم منافسة على الحضور الإعلامي؟
لم يكن حديث الملك عن سلوك أعضاء مجلس النواب وخطابهم أمرًا عابرًا.
فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة لإقرار القوانين، بل هو أحد أهم أدوات الرقابة والمساءلة في الدولة.
لكن علينا أن نسأل بموضوعية: هل نجح العمل البرلماني في ترسيخ ثقة المواطن بقدرته على إحداث التغيير؟ وهل أصبحت الرقابة البرلمانية أداة لتصويب الأداء، أم أنها تتحول أحيانًا إلى مواقف إعلامية تنتهي بانتهاء الجلسة؟
إن النقد هنا لا يستهدف البرلمان كمؤسسة دستورية، بل يدافع عن مكانته ودوره.
فالمواطن لا يحتاج إلى نائب يرفع صوته أكثر من الآخرين، وإنما يحتاج إلى نائب يملك المعرفة والشجاعة والاستقلالية والقدرة على مساءلة الحكومة بلغة الأرقام والحقائق.
والرقابة الحقيقية لا تقاس بعدد الأسئلة والاستجوابات فقط، بل بما تحققه من تصحيح للسياسات ومنع للهدر وتحسين للخدمات.
الأمن المائي... اختبار لقدرتنا على التنفيذ
عندما يضع الملك قضية المياه في مقدمة الأولويات، فإن الرسالة التي أفهمها هي أن الوقت لم يعد يسمح بالتعامل مع هذا الملف بمنطق الإجراءات البطيئة.
فالأمن المائي ليس مشروعًا حكوميًا عاديًا، بل قضية وجودية تتصل بمستقبل الأردن واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.
ومشروع بحجم الناقل الوطني، على سبيل المثال، لا يجوز أن يُدار بمنطق المراسلات الطويلة وتعدد المرجعيات وتبادل المسؤوليات.
نحتاج إلى إدارة تنفيذية واضحة، وجداول زمنية معلنة، ومؤشرات تقدم يستطيع المواطن متابعتها، ومساءلة صريحة عن أي تأخير غير مبرر.
فالمشاريع الاستراتيجية لا يكفي أن نعلن أهميتها؛ يجب أن نثبت قدرتنا على إنجازها.
سيادة القانون... الاختبار الحقيقي هو المساواة
إن تأكيد الملك على سيادة القانون يجب أن يُقرأ باعتباره التزامًا على جميع مؤسسات الدولة، لا مجرد رسالة للمواطن بضرورة الالتزام.
فهيبة الدولة لا تتحقق فقط بقدرتها على تطبيق القانون، وإنما بعدالة هذا التطبيق.
والمواطن يريد أن يطمئن إلى أن حقه لا يتوقف على اسم عائلته أو علاقاته أو موقعه الاجتماعي، وأن صاحب النفوذ يخضع للقواعد ذاتها التي يخضع لها المواطن البسيط.
والأهم أن المساءلة يجب ألا تقتصر على المخالفات الفردية، بل أن تشمل التقصير الإداري، وسوء استخدام الصلاحيات، وتعطيل مصالح الناس، وإهدار الوقت والمال العام.
فالتقصير في خدمة المواطن قد لا يحظى دائمًا بالاهتمام الذي تحظى به المخالفات الصريحة، لكنه يترك أثرًا بالغًا في ثقة الناس بالدولة.
قوة الأردن في الخارج تبدأ من الثقة في الداخل
لقد كان موقف الملك من القضية الفلسطينية، ومن التحديات الإقليمية، واضحًا في تأكيده على الثوابت الوطنية والمصالح الأردنية.
ولا شك أن الأردن يواجه بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وأن قيادته تتحمل مسؤوليات كبيرة في حماية أمنه واستقراره ومواقفه التاريخية.
لكنني أعتقد أن قوة الموقف الأردني في الخارج ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصلابة الجبهة الداخلية.
وهذه الصلابة لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعدالة وتكافؤ الفرص، وبثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وبشعوره بأن صوته مسموع وكرامته مصونة.
فالمواطن الذي يثق بدولته هو خط الدفاع الأول عنها.
ما بعد خطاب العرش... من يحوّل التوجيهات إلى قرارات؟
هنا أصل إلى جوهر ما أريد قوله.
لقد اعتدنا، بعد كل خطاب ملكي، أن نشهد موجة من التصريحات التي تؤكد أهمية التوجيهات الملكية وضرورة تنفيذها.
لكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟
من يضع خطة التنفيذ؟ ومن يحدد المسؤوليات؟ ومن يقيس النتائج؟ ومن يسأل المسؤول عندما تتأخر المشاريع أو تتراجع الخدمات؟
إنني أرى أن أفضل تعبير عن احترام التوجيهات الملكية ليس الإشادة بها، بل تحويلها إلى التزامات مؤسسية واضحة.
وأقترح أن تقدم الحكومة، خلال فترة زمنية محددة، برنامجًا تنفيذيًا معلنًا يترجم أولويات خطاب العرش إلى مشاريع وإجراءات قابلة للقياس، وأن يتولى مجلس النواب متابعة هذا البرنامج ومساءلة الحكومة عن نتائجه.
فالمحاسبة لا ينبغي أن تبدأ عند وقوع الأزمة فقط، وإنما عندما تتعطل الأهداف، أو تتجاوز المشاريع مواعيدها، أو تتراجع جودة الخدمات.
كلمة أخيرة
لا أزعم أنني أعرف ما يدور في ذهن جلالة الملك، ولكنني أقرأ في خطابه رسالة أعمق من مجرد تحديد الأولويات.
أقرأ فيه دعوة إلى مراجعة طريقة إدارة الشأن العام، وإلى إعادة الاعتبار لقيمة العمل، وإلى التوقف عن الخلط بين شغل المنصب وتحمل المسؤولية.
وأرى أن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس نقص الرؤى، وإنما القدرة على تنفيذها، وليس غياب التشريعات، وإنما جودة تطبيقها، وليس قلة المؤسسات، وإنما مستوى أدائها.
فالملك يستطيع أن يرسم الطريق، لكنه لا يستطيع أن يؤدي عمل كل وزير، ولا أن يتابع كل مدير، ولا أن يتخذ القرار بدلًا من كل مسؤول.
وهذا هو جوهر الدولة المؤسسية التي نطمح إليها: دولة تعمل مؤسساتها بكفاءة ومسؤولية، دون انتظار تدخل من أعلى هرم السلطة لتصويب كل خلل أو معالجة كل تقصير.
وأخشى ما أخشاه أن نكون قد أتقنا فن الإشادة بخطابات الملك أكثر مما أتقنا فن تنفيذ مضامينها.
فخطاب العرش ليس مناسبة للتصفيق، بل مناسبة للمحاسبة والمراجعة والعمل.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد هذا الخطاب ليس: هل فهمنا ما قاله الملك؟
بل: هل نحن مستعدون، مسؤولين ومؤسسات، لتحمل مسؤولية ما فهمناه؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :